الغزالي
147
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
ويروى أنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا أهبط آدم إلى الأرض قال له : ابن للخراب ، ولد للفناء . وقال داود بن هلال : مكتوب في صحف إبراهيم عليه السلام : يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنّعت وتزيّنت لهم ، إنّي قذفت في قلوبهم بغضك ، والصّدود عنك ، وما خلقت خلقا أهون عليّ منك ، كلّ شأنك صغير ، وإلى الفناء يصير ، قضيت عليك يوم خلقتك أن لا تدومي لأحد ، ولا يدوم لك أحد ، وإن بخل بك صاحبك ، وشحّ عليك . طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا ، ومن ضميرهم على الصدق والاستقامة ، طوبى لهم ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إليّ من قبورهم إلا النور يسعى أمامهم ، والملائكة حافّون بهم حتى أبلّغهم ما يرجون من رحمتي . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « الدنيا موقوفة بين السماء والأرض ، منذ خلقها اللّه تعالى لم ينظر إليها ، وتقول يوم القيامة : يا ربّ اجعلني لأدنى أوليائك اليوم نصيبا ، فيقول : اسكتي يا لا شيء ، إنّي لم أرّضك لهم في الدنيا ، أأرضاك لهم اليوم ؟ » . وروي في أخبار آدم عليه السلام أنّه لمّا أكل من الشجرة تحرّكت معدته لخروج الثقل ، ولم يكن ذلك مجعولا في شيء من أطعمة الجنة إلّا في هذه الشجرة ، فلذلك نهيا عن أكلها . قال : فجعل يدور في الجنة ، فأمر اللّه تعالى ملكا يخاطبه فقال له : قل له : أيّ شيء تريد ؟ قال آدم : أريد أن أضع ما في بطني من الأذى . فقيل للملك : قل له : في أيّ مكان تريد أن تضعه ؟ أعلى الفرش ، أم على السّرر ، أم على الأنهار ، أم تحت ظلال الأشجار ، هل ترى ههنا مكانا يصلح لذلك ؟ اهبط إلى الدنيا . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « ليجيئنّ أقوام يوم القيامة وأعمالهم كجبال تهامة ، فيؤمر بهم إلى النار » قالوا : يا رسول اللّه ، مصلّين ؟ قال : « نعم ، كانوا يصلّون ويصومون ويأخذون هنة من الليل ، فإذا عرض لهم شيء من الدنيا وثبوا عليه » .